القاضي عبد الجبار الهمذاني

116

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ضرورة لم يختص به قوم دون قوم وإن اشترك الكل في معرفة نبوته . وبطلان ذلك يبين فساده . ولا يجوز أن يمتنع مثل هذا الاضطرار لأجل الشبهة ؛ لأن العلم الضروري يزيل الشبهة ؛ ولأن النسخ إنما يصح في طرق الأدلة ، وهذا العلم يقع من غير دليل ونظر ، ولا يؤثر في ذلك أيضا السبق إلى الاعتقاد ، بل يجب أن يزول الاعتقاد به ، كما نقوله في سائر الضروريات ، وإنما تجوز الشبهة في الضروريات على جهة الجملة بأن يشتبه على العالم التفصيل ، كما نقوله فيمن يعلم قبح الظلم باضطرار أنه قد يشتبه عليه ما هو ظلم بعينه فيعتقده عدلا ، كالخوارج وغيرهم ؛ لأن الشبهة تناولت التفصيل ، والضروري تناول الجملة . وعلى هذا الوجه يجوز أن يشتبه على أحدنا نبوة النبي عليه السلام ، فلا يكون عالما بصحة هذه الأمور ، فأما مع علمه بصحة نبوته فغير جائز أن يشتبه عليه ما يعلم من دينه باضطرار . يبين ذلك أن كل ما هذا حاله من الشرع فالتكليف فيه عام للكل ، فكيف يصح أن يجعل العلم بذلك لبعضهم دون بعض خاصة . ومن يسلك هذه الطريقة يجعل الإمام حجة في الزمان كالرسول ، ويقول : من لم يعرف إمامه فهو كافر . وروى أن من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية . فلا بد من أن تحصل الضرورة للكل ، وأن يقال : إن لم تحصل غير عارف بذلك ، فليس بمكلف أصلا ، أوليس بمكلف للإمامة ، وأنه معذور فيه ، كما يقول أهل المعارف في سائر الديانات . ولو جاز لهم أن يقولوا : إن طائفتهم تعرف ذلك ، دون من خالفهم لجاز مثله في سائر أركان الدين ، ولجاز لليهود أن يقولوا : أنتم تعترفون أنه لا نبي بعد النبي صلى اللّه عليه ، وأن ذلك دينه ؛ دوننا ، إلى غير ذلك ، ونظائره . وقد بينا أن طريقة الاضطرار لا تختص مع المخالطة إذا كنا نسمع من الأخبار